قمت هذا الصباح وأنا ثقيل الرأس .. مزكوم الأنف والصدر .. أشعر بدوار يبدأ من رأسي ولا ينتهي عند قدمي ...ولا أحد هنا في البيت لاشكوه ..
والأنين والتوجع لاستجلاب العطف لن يجدي هنا .فلا أم ترق للحال وتضع قطعة مبلولة على الرأس ..
ولا أب يعرض عليك النقل إلى المستشفي لتلقي أفضل العلاج !! ولا جار يزور ,, ولا جارة تأتي لتبتسم وتخفف من ألم الرأس والقلب والرئتين والطحال !!
ورأسي يكاد ينفجر ,, وأنفي يسيل كالحنفيه ...
توجهت رغم هذه الآلام بخطوات ثقيلة إلى حيث دوائي .. إلى قلمي وورقتي ..
وكأنني سأكتب وصيتي الأخيرة .. وصيتي لأولادي الذين لم أرهم بعد .. وزوجتي الجميلة التي لم أصادفها في حياتي !!
وأوزع ثروتي التي احتفظ بها في مكان لا اعلمه؟ فأنا رجل أحب أبنائي جدا وخصوصا عند المرض !!
تماما كأي أب يمرض ولم يتزوج بعد؟! وأحب أن اكتب لهم قليلا من وصايا أب محب ؟!!
أبنائي .. إن السعادة المطلقة مستحيلة .. ولا فائدة في سعادة تستمر على الدوام
لأن الملح مهم جدا للطعام .. لكن الملح لا يصلح أن يكون طعاماً ...
والسكر أيضا مهم لكن السكر لا يكون نفسه طعاماً . والمرض والظلم والخوف من ضرورات الحياة
فالإنسان يشعر بنعمة الصحة عندما يذوق المرض ويبقى حريصا على صحته ,,,لكي لا يعود لمرضه.
لا تأكلوا كثيراً .. لكي لا تموتوا على مائدة أو وليمة كما كدت أنا ان افعل من قبل ..
فقد دعيت في يوم لوليمة أكلت فيها حتى أحسست أني لن أقوم من مقامي ذاك .. لأنني والله لم أتذوق طعاما كذلك الطعام في حياتي ..
ولم أشعر بنفسي إلا وأنا محمول على ظهر أصدقائي إلى البيت ,, وبين يدي الكثير من اللحم والسلطة وعيني لا تفارق تلك المائدة وفي قلبي الكثير من الألم والحسرة على ما فرطت فيها ؟!!
.. أبنائي ... لقد اشتغلت بالفلسفة كثيرا .. وتلاعبت بالألفاظ كثيراً لأصل لأهداف أردتها ولم تردني ..
ووصلت إلي قبل أن أصل أنا إليها ... فأدخلت أصدقائي في الدين وأخرجتهم منه .. وأحرقتهم بالعواطف .. فانتظروني لأحضر إليهم .. فتركتهم لأبحث عن غيرهم !!
نحن البشر تحت الجلد سواء .. لا فرق بيننا .. قلب ورئتان وكبد ورأس ورقبة ...
لكن الأخلاق هي التي تقومنا .. وتميز هذا من ذاك ...
فما نحرص عليه نحن ونراه كالذهب ... يستخف به الآخرون ... فنخجل لهم ونبكي لهذا الفقد .. تماما كالذي يجلس بجانب امرأة في حفل .. ليتفرج على راقصة شبه عارية على مسرح ..
فالمرأة التي بجوارك يخجلها جدا ما تقوم به الراقصة .. لماذا ؟؟
لان التي ترقص تقوم بكشف كل ما تحرص المرأة المحترمة على إخفائه .. فتشعر الثانية بالأسف والحزن والاحتقار في نفس الوقت ... فالراقصة استطاعت أن تعري كل امرأة في تلك القاعة !!؟؟
فلا حول ولا قوة إلا بالله إذا ضاعت الأخلاق ...
ابنائي .. أخبروا أمكم أني احببتها .. ولم أرها .. وانتظرتها ولم تأت .. فلتنتظرني هي
في المكان الذي لم نلتقى فيه ..لعلني لن آت اليها
أبنائي اذا جاء عمكم باشتوني فأخبروه أني مريض .. فليأت لي بطبيب أو صيدلي أو جارة تؤنس وحدتي
وأذهبوا الى فيوري وعودوا الي بدعوات وقبلات
هيا اذهبوا عني الآن .. وأنسوا كل ماقلت !؟
خالد
(رجل من الماضي)